شراء النفوذ الإقليمي بالمال: كيف تحاول دول نفطية في الخليج فرض أجنداتها بالتمويل؟

5 محطات فاضحة تكشف المستور
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية واحدة من أعقد مراحلها الجيوسياسية، تتصدر دول نفطية في الخليج العربي مشهد إعادة رسم التوازنات السياسية، ليس بالقوة العسكرية أو النفوذ الثقافي، بل عبر "دبلوماسية الشيكات المفتوحة"، ومحاولات شراء النفوذ الإقليمي بالمال.
هذه الظاهرة، التي تتسارع وتيرتها منذ الربيع العربي، لم تعد سرًا أو مجالًا للتكهنات، بل باتت موثقة من خلال حملات تمويل، ودعم إعلامي، وصفقات سرية، وتحالفات عابرة للحدود، بهدف التأثير على ملفات مثل الصراع الفلسطيني، والملف الليبي، والأزمة السودانية، وعلاقات التطبيع.
1. قطر: الإعلام أولًا.. ثم السياسة
منذ مطلع الألفية، اعتمدت قطر سياسة "القوة الناعمة المدفوعة"، حيث سخرت الإعلام (الجزيرة) والدبلوماسية والمال لاكتساب نفوذ يتجاوز حجمها الجغرافي.
أبرز الوقائع:
-
تمويل فصائل في غزة مثل حماس، وهو ما أثار انتقادات إسرائيلية وأمريكية، رغم أنها تُقدَّم كـ "دعم إنساني".
-
تمويل جماعات سياسية مرتبطة بالإخوان المسلمين في ليبيا، وتونس، وسوريا.
-
فضيحة البرلمان الأوروبي في 2022، حيث اتُّهم نواب أوروبيون بتلقي أموال وهدايا من قطر للتأثير على قرارات تخص ملفات حقوق الإنسان وتنظيم كأس العالم.
ورغم نفي الدوحة، إلا أن التحقيقات القضائية الأوروبية ما زالت جارية، مما يضع سياسة الشراء السياسي القطرية تحت مجهر دولي.
2. الإمارات: استثمارات ونفوذ في العواصم المنهكة
على عكس قطر، تعتمد الإمارات نهجًا أكثر براغماتية، يرتكز على الاستثمار الاستراتيجي والتغلغل في مؤسسات الحكم.
من ليبيا إلى اليمن، ومن السودان إلى الصومال، تركت أبو ظبي بصماتها، وأحيانًا بصراعاتها.
أمثلة واضحة:
-
دعم ميليشيات في شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، وتقديم دعم عسكري واستخباراتي في مقابل تأمين مصالح اقتصادية.
-
دعم تشكيلات انفصالية في جنوب اليمن، عبر المجلس الانتقالي الجنوبي.
-
التمويل المباشر لحملات انتخابية في تونس والسودان لعناصر مقربة منها.
-
دعم إعلام موجه عبر شبكات مثل "سكاي نيوز عربية" و"العين الإخبارية" لتشكيل الرأي العام العربي بما يتماشى مع سياساتها.
وفي هذا السياق، ترى بعض التقارير أن أبو ظبي تسعى للعب دور "الحاكم الخفي" في عدد من الدول الضعيفة سياسيًا، عبر أدوات مالية ودبلوماسية.
3. محاولات تقويض الدور المصري والسعودي
ربما أخطر ما كشفته الفضائح الأخيرة في إسرائيل، هو التآمر الإعلامي الممول من دولة خليجية ضد مصر، من خلال:
-
دفع رشاوى لصحفيين ومستشارين إسرائيليين لنشر بيانات إعلامية تقلل من دور مصر في ملف غزة.
-
الترويج لصورة قطر كـ "الوسيط الوحيد المقبول"، وتهميش الدور المصري الذي يتمتع بثقة فصائل المقاومة والدول الكبرى.
-
شراء مساحات إعلامية في الصحافة الغربية لتقديم روايات منحازة.
هذا الأسلوب، وفق مراقبين، لا يختلف عن الحرب الناعمة لشراء النفوذ عبر الأدوات الإعلامية والسياسية.
4. المال مقابل الصمت أو الولاء: معادلة النفوذ في السودان
في السودان، تشير التقارير إلى أن كلًا من الإمارات وقطر لعبتا أدوارًا مزدوجة:
-
قطر قدمت دعما ماليا مباشرًا لبعض قادة الحركات الإسلامية القديمة، وربما لجماعات داخل الدعم السريع.
-
الإمارات دعمت قوات "الدعم السريع" بقيادة حميدتي، بحسب تقارير أمريكية وفرنسية، بهدف تأمين مصالح اقتصادية خاصة بها في مناجم الذهب وموانئ البحر الأحمر.
هذا الدعم المتناقض ألهب الصراع، وحوّل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة لأجندات متعارضة، ممولة من العواصم النفطية.
5. هل تنجح دبلوماسية المال؟
يبدو أن محاولات شراء النفوذ لا تحقق دائمًا ما يُرجى منها. فرغم الأموال الطائلة:
-
تواجه قطر اتهامات متكررة بدعم التطرف.
-
تُتهم الإمارات بالتدخل المفرط في السيادة الداخلية للدول.
-
ترفض بعض الشعوب العربية القبول بـ"نخب" تم تصنيعها أو فرضها بأموال خليجية.
بل إن بعض هذه السياسات أدت إلى تفجير أزمات داخلية، كما في تونس وليبيا والسودان.